محمد متولي الشعراوي

6389

تفسير الشعراوى

إذن : فالنار مثوى هؤلاء الذين عملوا من أجل الدنيا دون إيمان بالله ، فقد أخذوا حسابهم في الدنيا ، أما عملهم فقد حبط في الآخرة ، والحبط هو انتفاخ الماشية حين تأكل شيئا أخضر لم ينضج بعد ، ويقال في الريف عن ذلك : « انتفخت البهيمة » أي : أن هناك غازات في بطنها ، وقد يظنها الجاهل سمنة ، لكن هذا الانتفاخ يزول بزوال سببه . وعمل الكافرين إنما يحبط في الآخرة ؛ لأنه باطل . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ « 1 » مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ والبيّنة « 2 » هي بصيرة الفطرة السليمة التي تلفت الإنسان إلى وجود واجب الوجود ، وتوضّح للإنسان أن هذا الكون الجميل البديع لا بدّ له من واجد . وهكذا تكون الهداية بالبصيرة والفطرة .

--> ( 1 ) المرية : الجدل والشك وكذلك التمارى والامتراء والمراء والمماراة . قال تعالى : فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً . . ( 22 ) [ الكهف ] ، وقال تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) [ البقرة ] وقال تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 ) [ النجم ] [ القاموس القويم ] بتصرف . ( 2 ) بان الشئ يبين بيانا : ظهر واتضح ، فهو بيّن وهي بيّنة أي : ظاهر ، وظاهرة . ويستعمل البيّن والبيّنة بمعنى المظهر والمظهرة ، والموضّح والموضّحة . قال تعالى : كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ . . ( 211 ) [ البقرة ] أي : واضحة لا شك فيها ، أو هي مبيّنة للحق مؤيّدة له ، مظهرة لأمره ، وكذلك قوله تعالى : لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ . . ( 15 ) [ الكهف ] أي : ظاهر واضح أو موضح مظهر للحق [ القاموس القويم ] .